السرخسي
216
المبسوط
عليهم على ما بيناه في التحري ووجه الاستحسان أن الأدلة لما تعارضت في حق المكان يترجح الاسلام باعتبار الواجد لأنه مسلم أو باعتبار علو حالة الاسلام فلهذا يصلى عليه إذا مات وإذا وجد اللقيط على دابة فالدابة له لسبق يده إليها فان المركوب تبع لراكبه وهو كمال آخر يوجد معه وقد بينا أن ذلك له باعتبار الظاهر أن من وضع معه المال فإنما وضع لينفق عليه منه فكذلك من حمله على الدابة فإنما حمله عليها لينفق عليه مالية تلك الدابة وإذا وجد اللقيط بالكوفة فادعاه رجل من أهل الذمة أنه ابنه فلا يصدق في القياس لأنه حكم له بالحرية والإسلام فلو جعل ابن الكافر بدعواه لكان تبعا له في الدين وذلك ممتنع بعد ما حكم باسلامه ولان تنفيذ قوله عليه في دعوة النسب نوع ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم ولكنا نستحسن أن يكون ابنه ويكون مسلما لأنه محتاج إلى النسب بعدما حكم باسلامه فمن ادعى نسبه وإن كان ذميا فهو مقر له بما ينفعه فيكون اقراره صحيحا وموجب كلامه شيئان أحدهما ثبوت نسبه منه وذلك ينفعه والآخر كفره وذلك يضره وليس من ضرورة امتناع قبول قوله في أحد الحكمين امتناعه في الآخر لان النسب ينفصل عن الدين ألا ترى أن ولد الكافر من امرأة مسلمة يكون ثابت النسب من الكافر ويكون مسلما فهذا مثله فإذا ادعى مسلم ان اللقيط عبده وأقام البينة قضى له به لأنه أثبت دعواه بالحجة وثبوت حريته باعتبار الظاهر والظاهر لا يعارض البينة ( فان قيل ) كيف تقبل هذه البينة ولا خصم عن اللقيط لان الملتقط ليس بولي فلا يكون خصما عنه فيما يضره ( قلنا ) الملتقط خصم له باعتبار يده لأنه يمنعه منه ويزعم أنه أحق بحفظه لأنه لقيط فلا يتوصل المدعى إلى استحقاق يده عليه الا بإقامة البينة على رقه فلهذا كان خصما عنه فان أقام الذمي البينة من أهل الذمة انه ابنه لم تجز شهادتهم على المسلمين قيل مراده انه أقام البينة من أهل الذمة في معارضة بينة المسلم الذي أقامها على رقه ولا تحصل المعارضة بهذه لان شهادة أهل الذمة لا تكون حجة على الخصم المسلم والأصح ان مراده إذا ادعى الذمي ابتداء انه ابنه وأقام البينة من أهل الذمة فان النسب قد ثبت منه بالدعوة ولكنه محكوم له بالاسلام فلا يبطل ذلك بهذه البينة ولا يحكم بكفره لأن هذه الشهادة في حكم الدين إنما تقوم على المسلم وشهادة أهل الذمة بالكفر على المسلم لا تقبل وإن كان شهوده مسلمين قضيت له به لأنه أثبت نسبه منه بما هو حجة على المسلم فيصير تبعا له في الدين ولا يأخذه الملتقط بما أنفق عليه لأنه كان متطوعا